→ كل المقالات قراءة قانونية · الجرائم الاقتصادية

التستر التجاري بعد المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 — ماذا ينتظر المخالف؟

حبس حتى ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى مئة ألف دينار أو ما يعادل الأرباح أيهما أكبر، وغلق نهائي للمنشأة

مما لا شكّ فيه أنّ ترتيبات «الاسم مقابل النسبة» ظلّت لسنوات ممارسةً مألوفة في السوق الكويتي، إذ يحمل الرخصة شخصٌ ويديرها ويجني أرباحها آخر، ويكتفي صاحب الاسم بمبلغ شهري أو حصة متفق عليها. غير أنّ هذه الترتيبات لم تعد مجرد مخالفة إدارية، بل أصبحت بموجب القانون جريمةً يُسأل عنها الطرفان معًا.

وقد أفصحت المذكرة الإيضاحية عن دافع المشرّع، إذ أشارت إلى أنّه «لوحظ قيام بعض الأشخاص المحظور عليهم مزاولة الأنشطة الاقتصادية دون الحصول على التراخيص اللازمة، مما أدى إلى نشوء حالة من الفوضى والخلل في استقرار السوق ونظامه»، ووصفت التستر بأنه «جريمة اقتصادية تمس استقرار الأسواق». فالمشرّع لم يعد ينظر إلى التستر بوصفه اتفاقًا خاصًّا بين طرفين، بل اعتداءً على السوق ذاته. لذلك يبرز السؤال الذي يهمّ كل من يقف في أحد طرفي هذه العلاقة: ما الذي يُعدّ تسترًا، وماذا يحدث لمن يُضبط فيه؟

أولًا: ما الفعل المجرّم؟

عرّفت المادة الأولى من المرسوم بقانون التستر التجاري بأنه «تمكين أي شخص – سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً – من ممارسة أي نشاط اقتصادي يحظر عليه ممارسته»، ويشمل ذلك «الالتفاف على نسب الملكية المقررة قانوناً للأجانب». والنشاط الاقتصادي هنا واسع، إذ يشمل التجاري والاستثماري والصناعي والزراعي والخدمي و«المهني».

وجاءت المادة الثانية لتحظر الفعل من جهتيه:

  • المتستَّر عليه: من يزاول نشاطًا دون ترخيص، أو يتجاوز حدود ترخيصه، متى كانت المزاولة من خلال شخص مكّنه من ذلك.
  • المتستِّر: من يمكّن غيره من المزاولة «بشكل مباشر أو غير مباشر، أو بأية وسيلة كانت»، بما في ذلك السماح له باستخدام الاسم التجاري أو الترخيص أو الموافقة أو السجل التجاري.

صاحب الرخصة الذي «لا يتدخل» في النشاط ليس بريئًا؛ فإعارة الاسم هي ذاتها الجريمة

ثانيًا: من يُسأل؟

لا تقف المسؤولية عند الطرفين المباشرين. فقد نصّت المادة الخامسة على معاقبة «المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري المخالف بذات العقوبات» متى ثبت علمه بالمخالفة، أو وقعت نتيجة إخلاله بواجبات إدارته، أو ساهم فيها. وأوضحت المذكرة الإيضاحية أنّ ذلك جاء «تطبيقاً لمبدأ المسؤولية الفعلية وعدم الإفلات من العقاب لمن يتولى التوجيه والإشراف الفعلي على النشاط محل المخالفة». فالعبرة بمن يدير فعلًا، لا بمن يرد اسمه في السجل.

كما تكون الشركة نفسها مسؤولة بالتضامن عن الغرامات والتعويضات إذا ارتكب أحد العاملين لديها المخالفة باسمها أو لصالحها، وعلّلت المذكرة ذلك بأنه «ضماناً لعدم استغلال الكيانات القانونية كغطاء قانوني للأفعال غير المشروعة». ومؤدّى ذلك أنّ تمرير النشاط عبر شركة أو كيان وسيط لا يحجب المسؤولية متى كان الغرض إخفاء من يقف وراءه.

ثالثًا: العقوبات الأصلية

نصّت المادة الثالثة على معاقبة المخالف «بالحبس مدة لا تقل عن سنة، ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن 10.000 (عشرة آلاف دينار كويتي) ولا تزيد على 100.000 (مائة ألف دينار كويتي )، أو بما يعادل قيمة الأرباح الإجمالية المتحصلة أيهما أكبر، أو بإحدى هاتين العقوبتين».

وتترتب على هذا النص ثلاث نتائج عملية:

  • للمحكمة أن تجمع بين الحبس والغرامة، أو تكتفي بإحداهما.
  • إذا كانت أرباح النشاط أكبر من مئة ألف دينار، فقد تساوي الغرامة تلك الأرباح كاملة.
  • «تتعدد الغرامات بتعدد الأشخاص المخالفين أو الأنشطة المخالفة»، فمن تستّر على عدة أشخاص أو أنشطة يواجه غرامة مستقلة عن كل منها.

رابعًا: ما يترتب على الإدانة حتمًا

أوجبت المادة السادسة على المحكمة عند الإدانة، ودون أن يكون لها خيار، الحكم بما يلي:

  • مصادرة الأموال والأرباح الناتجة عن الجريمة.
  • مصادرة الأدوات والمعدات والوسائل المستخدمة في النشاط.
  • غلق المنشأة نهائيًّا وإلغاء الترخيص.
  • إبعاد الأجنبي المخالف بعد تنفيذ العقوبة.
  • نشر الحكم النهائي.

وتبيّن المذكرة الإيضاحية أنّ المصادرة شُرّعت «لحرمان الجاني من الثمار غير المشروعة لأنشطته المخالفة»، غير أنها رسمت حدودها، إذ أكدت أنّ «المصادرة تقتصر على عوائد الجريمة وأدواتها والمعدات والوسائل المستخدمة في النشاط المخالف»، مع «احترام حقوق الغير حسن النية». فالمصادرة لا تمتد إلى أموال المخالف كافة، بل إلى ما نتج عن النشاط المخالف أو استُخدم فيه، دون المساس بحقوق من لم يكن طرفًا في المخالفة ولا عالمًا بها.

وعليه، فالمخالف لا يخسر الغرامة فحسب، بل يخسر النشاط ذاته، ويخسر الأجنبي إقامته في البلاد.

المصادرة والغلق والإبعاد ليست عقوبات تقديرية، بل نتائج وجوبية لأي حكم بالإدانة

خامسًا: العود يضاعف كل شيء

نصّت المادة السابعة على أنه «تضاعف العقوبة» إذا عاد المخالف إلى الجريمة خلال خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم النهائي. ويُضاف إلى ذلك أنّ باب التصالح يُغلق تمامًا في حالة العود.

سادسًا: هل من مخرج؟ التصالح وشروطه

أجازت المادة الثامنة للوزير المختص أو من يفوّضه التصالح في أي مرحلة: قبل إحالة القضية إلى المحكمة، أو أثناء نظرها، أو قبل صدور حكم نهائي فيها. ويقوم التصالح على ثلاثة شروط:

  • أداء مبلغ «لا يقل عن نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة»، أي ما لا يقل عن ٥٠٠٠٠ (خمسين ألف دينار كويتي) في جريمة التستر.
  • إزالة المخالفة.
  • تعديل الوضع القانوني للنشاط.

ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية، فلا حبس ولا حكم بالإدانة. إلّا أنّ النص احتفظ للدولة بحق اتخاذ تدبير «الإبعاد الإداري» بحق الأجنبي إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، فالتصالح لا يضمن له البقاء.

وتكشف المذكرة الإيضاحية عن فلسفة هذا الباب، إذ قررت أنّه في ضوء الطبيعة الاقتصادية للجريمة «روعي أن لا تقتصر العقوبة على الزجر أو العقاب فقط، بل تمتد إلى ضبط الأسواق وتصحيح الأوضاع المخالفة»، وأن التصالح يتيح تسوية المخالفات «دون اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية إلا في الحالات التي تستوجب ذلك». ومؤدى ذلك أنّ المشرّع يقدّم تصحيح الوضع على العقاب، ويجعل الحبس للحالات التي تستوجبه.

باب التصحيح مفتوح لمن يبادر، ومغلق أمام من يعود

سابعًا: التفتيش والتبليغ

منحت المادة العاشرة موظفين يحددهم الوزير صفة الضبطية القضائية، ولهم التفتيش وطلب «كافة التسهيلات والبيانات والمعلومات والمستندات». ومن يعرقلهم أو يمتنع عن تقديم المطلوب أو يقدّم بيانات غير صحيحة يُعاقب وفق المادة الرابعة بالحبس حتى ستة أشهر وغرامة حتى عشرة آلاف دينار أو بإحداهما، وهي جريمة مستقلة تُضاف إلى جريمة التستر.

ومن جانب آخر، قررت المادة التاسعة مكافأة للمبلّغ من غير الجناة تصل إلى 10% من الغرامات المحصّلة، متى قدّم دليلًا جديا، بتعبير المذكرة الإيضاحية، وصدر بناءً عليه حكم نهائي بالإدانة. ومعنى ذلك عمليًّا أنّ الموظف أو المنافس أو الشريك السابق أصبح لديه حافز مالي للإبلاغ.

ثامنًا: متى يبدأ التطبيق؟

نُشر المرسوم بقانون في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» في عددها رقم (1803) بتاريخ 9 أغسطس 2026، ونصّت المادة الرابعة عشرة على العمل به «بعد ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية»، أي بعد انقضاء يوم 9 فبراير 2027. وهذه المدة هي في واقع الحال الفرصة الأخيرة المتاحة لتصحيح الأوضاع، إذ إنّ كل ترتيب قائم بعد هذا التاريخ يصبح قابلًا للضبط والملاحقة.

ختامًا

المعادلة التي يضعها المرسوم بقانون واضحة: من أعار اسمه ومن استعاره يقفان في الموقع ذاته، والعقوبة لا تقتصر على الحبس والغرامة فقط، بل تمتد إلى المصادرة والغلق والإبعاد. غير أنّ المذكرة الإيضاحية تكشف أيضًا أنّ غاية المشرّع تصحيح السوق لا مجرد العقاب. ومن هنا فإنّ الخيار الأقل كلفةً لأي طرف في ترتيب قائم هو تصحيحه قبل التاسع من فبراير 2027، بنقل النشاط إلى من يحق له مزاولته أو تسويته وفق القنوات المشروعة، لأنّ ما يصحح اليوم دون كلفة قد يكلّفك اكثر غدًا.

عن الكاتب

المحامي ناصر جلوي الشلاحي

شريك متخصّص في قانون الشركات وهيئة أسواق المال والقانون التجاري، بخبرة تتجاوز 12 سنة في الاستشارات المؤسسية والامتثال والمنازعات التجارية. مقيّد أمام محكمة التمييز والمحكمة الدستورية.

لديك مسألة مشابهة تخصّ شركتك؟

احجز استشارة