الدوائر الاقتصادية — قضاءٌ متخصّص وزمنٌ جديد للعدالة الاقتصادية
قراءة قانونية في المرسوم بقانون رقم (88) لسنة 2026: عرضٌ وجوبيٌّ على مكتب التسوية والصلح قبل انعقاد الخصومة، وحكمٌ انتهائيٌّ من الدائرة الاقتصادية بالمحكمة الكلية فيما لا يجاوز عشرة آلاف دينار، وتدابيرُ تحفظيةٌ يصدرها قاضي التنفيذ من تلقاء نفسه
مما لا شكّ فيه أنّ الزمن القضائي صار عنصرًا من عناصر بيئة الأعمال لا مسألة إجرائية داخلية، إذ يقيس المستثمر مخاطره بمدّة استرداد حقّه وبقابلية التوقّع في الأحكام قبل أن يقيسها بنصوص الحماية المجرّدة. وضمن هذا السياق جاء المرسوم بقانون رقم (88) لسنة 2026 في شأن إنشاء الدوائر الاقتصادية، الصادر في 8 سبتمبر 2026، والمقرَّر العمل به من 1/10/2027، ليقدّم معالجة متكاملة لهذه المسألة: فهو لا ينشئ دائرة قضائية جديدة فحسب، بل يبني منظومة إجرائية تمسك بالمنازعة الاقتصادية من طرفيها، إذ تسبقها مرحلة تسوية وجوبية، وتعقبها إدارة تنفيذ متخصصة موسّعة السلطة، وتربط ما بينهما منصة إلكترونية تُجرى عليها الإجراءات كافة. ومن هنا يثور السؤال الموجّه لهذه القراءة: بأي أدوات تشريعية حقّق المشرّع هذه النقلة، وما الذي يلزم لضمان أن تُترجم النصوص إلى أثر عملي عند التطبيق؟
القانون لا ينشئ محكمة، بل يعيد بناء الزمن الإجرائي للمنازعة الاقتصادية من طرفيها
أولًا: التخصّص القضائي بوصفه خيارًا مؤسسيًّا لا شكليًّا
اختار المشرّع أن يجعل التخصّص متّصلًا على امتداد سلسلة العمل القضائي لا مقصورًا على القاضي وحده. فالمادة (2) أنشأت بالمحكمة الكلية دائرة اقتصادية أو أكثر تُشكّل من ثلاثة قضاة وتختص «دون غيرها» بالفصل في المنازعات الاقتصادية ومنازعات التنفيذ الموضوعية المتعلقة بأحكامها، مع تمييز داخلي بين دوائر مدنية وتجارية وأخرى إدارية، وتخويل الجمعية العامة للمحكمة الكلية تخصيص دوائر لنوع أو أكثر من هذه المنازعات كلما اقتضى حجم العمل ذلك.
واستكمالًا لذلك، أنشأت المادة (9) مكتبًا فنيًّا للدوائر الاقتصادية يرأسه من لا تقلّ درجته عن مستشار، وأجازت الاستعانة بذوي الخبرة والكفاءة في مجالات الاقتصاد والاستثمار، بينما اشترطت المادة (10) فيمن يُخصَّص للعمل بهذه الدوائر أن يكون قد تلقّى تدريبًا متخصصًا في المنازعات ذات الطبيعة الاقتصادية أو أن تكون لديه خبرة مناسبة فيها، وعهدت إلى معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية بإعداد برامج تدريبية مستمرة تُراعى نتائجها عند التخصيص أو الندب. وامتدّ المنطق نفسه إلى المادة (24) التي عهدت بأعمال الخبرة إلى خبراء الإدارة العامة للخبراء وخبراء الدائرة «دون غيرهم»، وإلى المادة (25) التي أنشأت إدارة تنفيذ خاصة تضمّ خبراء في الأوراق المالية وتقييم الأصول.
وهذا الترتيب يحقّق — في تقديري — أهمّ ما يحتاجه التقاضي الاقتصادي: وحدة اللغة الفنية بين القاضي والخبير وقاضي التنفيذ، إذ إنّ كثيرًا من التأخير في هذا النوع من المنازعات لا مصدره النصوص بل الفجوة بين التكييف القانوني والواقع المحاسبي والمالي للنزاع.
ثانيًا: اختصاصٌ نوعيٌّ مانعٌ يقوم على الموضوع لا على الوصف
بنى المشرّع الاختصاص على تقنية مزدوجة: حصرٌ لأنواع المنازعات في المادة (11)، وامتدادٌ مانعٌ للتجزئة في المادة (12). فالمادة (11) عدّدت خمسة عشر بندًا تختص بها الدائرة «دون غيرها»، منها منازعات الشركاء والمساهمين وأصحاب الحصص وطلبات حلّ الشركة وتصفيتها ومحاسبة مديريها، ومنازعات البنوك وشركات الاستثمار والأوراق المالية وأسواق المال، والمنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، والملكية الفكرية، والاستثمار الأجنبي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمناقصات العامة والعقود الإدارية، والطاقة والاتصالات والصناعة والتجارة، وصولًا إلى المنازعات الناشئة عن القرارات والإجراءات الصادرة تنفيذًا للقوانين المبينة فيها.
ولم يكتفِ المشرّع بمعيار واحد، بل جمع بين معيار القانون الواجب التطبيق، وموضوع النزاع، وصفة الأطراف، والقيمة؛ فمنازعات الشركاء تدخل في الاختصاص متى تعلّقت بشركة مساهمة أيًّا كان رأس مالها، أو بشركة تجارية جاوز رأس مالها مائة ألف دينار، أو بشركة مرخّصة من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر أيًّا كان رأس مالها. وحرصت المادة (1) على ضبط المفهوم من جهته الأخرى، فاستبعدت من «المنازعة الاقتصادية» المنازعات الإدارية المتعلقة بشؤون الموظفين ومنازعات العاملين لخروجها عن الطابع الاقتصادي.
أمّا المادة (12) فهي الضمانة العملية ضد التنازع، إذ أقامت الاختصاص على موضوع العقد ذاته «أيًّا كان الأساس القانوني الذي تقام عليه الدعوى»، فلا يفلت النزاع من ولاية الدائرة بمجرد تكييفه على أساس البطلان أو المسؤولية، ثمّ امتدّت إلى الطلبات العارضة والمرتبطة وإلى طلبات التعويض سواء رُفعت أصليةً أو تبعيةً. والعلّة ظاهرة: وحدة الخصومة، وتفادي تعارض الأحكام في المسألة الواحدة، وتوفير مسار واحد يعرف المتقاضي مقدّمًا أين ينتهي.
ثالثًا: تدرّجٌ قيميٌّ يرشّد التقاضي ويحمي وحدة التفسير
أعاد القانون ترتيب مسار الطعون على أساس أنّ استقرار الأحكام قيمة موازية للعدالة فيها. فالمادة (2) جعلت حكم الدائرة الاقتصادية بالمحكمة الكلية انتهائيًّا إذا كانت قيمة الدعوى لا تجاوز عشرة آلاف دينار، واعتمدت المادة (3) المعيار ذاته في التظلّم من أوامر الأداء. ثم جعلت المادة (5) حكم الدائرة الاستئنافية انتهائيًّا متى كانت قيمة الدعوى لا تجاوز ثلاثين ألف دينار، فيما عدا الحالات المبيّنة في البنود (2) و(3) و(4) من المادة (6).
وفي المقابل، لم يُغلق باب التمييز على إطلاقه، بل حُصر في أربع حالات: تجاوز قيمة الدعوى ثلاثين ألف دينار أو كونها غير مقدّرة القيمة، والحكم الصادر بعدم الاختصاص، والحكم المخالف لقواعد الاختصاص القيمي أو النوعي، والحكم النهائي الفاصل في نزاع خالف حكمًا سابقًا بين الخصوم أنفسهم حاز قوة الأمر المقضي. وقصّرت المادة ذاتها الميعاد فنصّت على أنّ «ميعاد الطعن بالتمييز ثلاثين يومًا من تاريخ النطق بالحكم أو إعلانه بحسب الأحوال».
والقراءة الصحيحة لهذا الاختيار — بحسب ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية — أنّه ليس تضييقًا لحق الطعن بقدر ما هو إعادة توجيه لدور محكمة التمييز نحو وظيفتها الأصيلة: بسط الرقابة على قواعد الاختصاص وحماية حجية الأمر المقضي، بدل استهلاكها في منازعات محدودة الأثر. وقد عزّز المشرّع هذا المنحى في المادة (7) حين أجاز لرئيس محكمة الاستئناف، من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب إحدى الدوائر الاستئنافية، إحالة الأمر إلى الهيئة المشكّلة بمحكمة التمييز لتوحيد الرأي عند تعارض الأحكام في ذات المسألة القانونية بين خصوم مختلفين، وهي آلية تصون وحدة التفسير القضائي دون إطالة أمد الخصومة الفردية. كما حرصت المادة (8) على الإبقاء على التماس إعادة النظر طريقًا للطعن في الأحكام النهائية صونًا لحق الدفاع.
حُصر التمييز في أربع حالات، وأُسندت وحدة التفسير إلى آلية جماعية لتوحيد المبادئ
رابعًا: المواعيد بوصفها نصًّا خاصًّا يضبط الزمن الإجرائي
أرست المادة الثانية من مواد الإصدار قاعدة التطبيق: تُتبع أمام الدوائر الاقتصادية القواعد والإجراءات المقررة في هذا القانون، ولا يُرجع إلى قانون المرافعات وقانون الإثبات وقانون تنظيم الخبرة وقانون إنشاء الدائرة الإدارية إلّا فيما لم يرد بشأنه نص خاص وبما لا يتعارض معه. ومن ثمّ فكل ميعاد ورد في القانون المرافق نصٌّ خاصٌّ يعلو على نظيره العام، ومنه: استئناف الأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة خمسة عشر يومًا (المادة 4)، والتمييز ثلاثون يومًا (المادة 6)، والتظلّم من أوامر قاضي التنفيذ عشرة أيام من الإعلان (المادتان 28 و29)، وإرسال الدفاع والمستندات إلى مكتب تهيئة الدعوى خلال خمسة عشر يومًا من الإعلان بالصحيفة مع تحديد الجلسة خلال ثلاثة أيام من انقضاء الميعاد (المادة 17)، وإيداع تقرير الخبرة خلال ستين يومًا (المادة 24)، والوقف الاتفاقي بما لا يجاوز شهرين مع مهلة تعجيل خمسة عشر يومًا (المادة 23).
وهذا الضبط الزمني قُرن بضمانة موازنة دقيقة في المادة (14)، إذ نصّت على أنّه «لا تحتسب مدة السير في إجراءات التسوية ضمن مواعيد التقادم والسقوط المقررة قانونًا»، فلا يكون المسار الودي الذي أوجبه القانون سببًا في ضياع الحق، ولا وسيلةً يستكمل بها أحد الخصوم مدّة تقادم جارية في مواجهة خصمه.
خامسًا: التسوية والصلح — تحويل الحل الودي إلى مسار مؤسسي
نقل الباب الرابع التسوية من رخصة اختيارية إلى مرحلة إجرائية سابقة لازمة. فالمادة (13) أنشأت مكتبًا لتسوية المنازعات والصلح يتبع المكتب الفني ويرأسه أحد القضاة المنتدبين، وقضت بعرض الدعوى المبتدأة عليه بمجرد قيدها والمحالة بمجرد ورودها، و«لا تحال إلى الدائرة الاقتصادية المختصة إلّا بعد تعذّر التسوية أو الصلح». واستثنت — مراعاةً لطبيعة المحل أو لمقتضى السرعة — الدعاوى المستعجلة والأوامر على العرائض وأوامر الأداء وطلبات التنفيذ ووقف التنفيذ والتدابير الوقتية والتحفظية، وطلبات إلغاء القرارات الإدارية وما يقترن بها من تعويض، لتعلّق دعوى الإلغاء بمشروعية القرار وعدم قابليتها للصلح.
وحدّدت المادة (14) مدة التسوية بخمسة عشر يومًا قابلة للمدّ باتفاق الأطراف بما لا يجاوز ثلاثة أشهر، فوازنت بين إتاحة فرصة جدية للاتفاق ومنع التسويف. وأضفت المادة (15) على محضر التسوية «قوة السند التنفيذي» بوضع الصيغة التنفيذية عليه، فأنهت النزاع دون عرضه على الدائرة، مع إحالة ما لم يشمله الاتفاق. وحصّنت المادة (16) العملية بسرية المداولات والعروض والمستندات المعدّة لأغراضها، وحظرت الاحتجاج بما أبداه الخصوم خلالها، على أنّ هذه السرية لا تمتدّ إلى المستندات السابقة عليها أو القائمة بذاتها استقلالًا — وهو تقييد دقيق، إذ لولاه لأمكن تحصين دليل قائم بمجرد تمريره عبر جلسة تسوية.
وامتدّ المنطق ذاته إلى المادة (20)، التي جعلت دعوى تهيئة الدليل تعود إلى مكتب التسوية بعد ورود تقرير الخبرة والتعقيب عليه، فيصبح الحل الودي غايةً قائمة في كل مرحلة لا إجراءً شكليًّا سابقًا على الإحالة. ويبقى حق التقاضي مصونًا في كل الأحوال، لأنّ المسار مؤقّت بمدة قصيرة، ومقترن بوقف سريان التقادم، ومنتهٍ حتمًا بالإحالة إلى القاضي الطبيعي عند التعذّر — وهذا استخلاصٌ من مجموع النصوص لا حكمٌ قضائي مستقر.
محضر التسوية سندٌ تنفيذيّ ينهي النزاع دون عرضه على الدائرة
سادسًا: تهيئة الدعوى واشتراط المستندات — دعوى مكتملة قبل الجلسة الأولى
أوجبت المادة (17) تقديم المستندات المؤيدة للدعوى مع صحيفتها عند قيدها، وأناطت بمكتب تهيئة الدعوى فحص الملف والتحقق من اكتمال البيانات والمستندات وصحة الإعلان وتسجيل الدعوى في نظام التقاضي الإلكتروني قبل عرضها على الدائرة، وختمت بنصّ حاسم: «ولا يجوز قيد صحيفة الدعوى ابتداءً ما لم تُرفق بها المستندات المؤيدة لها».
والغاية من ذلك ظاهرة: أن تصل الدعوى إلى الدائرة وقد تحدّدت عناصرها واتضحت طلبات الخصوم وأوجه دفاعهم، فلا يُستهلك وقت القضاء في استكمال نواقص شكلية. وقد وازن المشرّع هذا الالتزام باستثناءين في صدر المادة: الدعاوى التي لا يقوم إثباتها على مستندات، والدعاوى التي يقدّم فيها المدّعي عذرًا تقبله الدائرة المختصة. وعالجت المادة كذلك حالة ظهور عدم الاختصاص، فأوجبت عرض الدعوى — دون التقيّد بإجراءات الباب الرابع — على الدائرة للفصل في مسألة الاختصاص على وجه السرعة، حسمًا لمسألة الولاية في مبدئها.
سابعًا: تنفيذٌ فاعل — وقف المعاملة المالية وسلطات المادة (28)
يمثّل الباب السادس أوضح مواطن التجديد، إذ عالج المشرّع العقبة الحقيقية أمام فاعلية الأحكام الاقتصادية: مماطلة المدين وتهريب الأموال أثناء التقاضي. فاستحدثت المادة (1) تدبيرًا تحفظيًّا جديدًا هو «وقف المعاملة المالية»، وعرّفته بأنّه «تدبير تحفظي مؤقت يصدر بأمر قضائي، يترتب عليه منع المدين من إجراء معاملة محددة يترتب عليها نقل ملكية أو إنقاص الذمة المالية للمدين، أو ترتيب حقوق للغير عليه، ولمدة محددة»، دون إخلال بالالتزامات والحقوق المقررة بالقوانين النافذة وبما لا يترتب عليه تعطيل حكم قضائي واجب النفاذ.
والتدبير بهذه الصياغة أدقّ من الحجز وأقلّ إرهاقًا للمدين من المنع الشامل من التصرف، لأنّه يستهدف معاملة محددة لا ذمّة بأكملها. وقد حدّدت المادة (29) مجاله التطبيقي وعلّقت إصداره على طلب الدائن دون سواه، متى ثبت لقاضي التنفيذ أنّ المدين يماطل أو يخفي أمواله أو يتصرّف فيها إضرارًا بدائنيه أو يعطّل إجراءات التنفيذ، مع تحفّظ صريح على حقوق الغير حسن النية.
أمّا المادة (28) فقرّرت لقاضي التنفيذ جميع السلطات المقررة قانونًا لضمان سرعة التنفيذ، ثمّ خوّلته «بوجه خاص أن يصدر — من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب من ذوي الشأن» — أوامر الحجز على الأموال والمنقولات والعقارات والحقوق المعنوية، وتجميد الحسابات البنكية أو الأوراق المالية، ومنع المدين من السفر متى قامت دلائل جدية على تهريبه لأمواله أو إضراره بحقوق دائنيه، وأي تدبير تحفظي آخر ينص عليه القانون. بل أجازت إصدارها «على وجه الاستعجال ودون إعلان المدين، متى كان من شأن التأخير تعريض استيفاء الحق للخطر».
وسلطة المبادرة هذه هي جوهر الإصلاح في هذا الباب، إذ تنقل قاضي التنفيذ من موقع الفاصل في طلب إلى موقع الحارس على فاعلية الحكم. وقد قرنها المشرّع بضمانات متدرّجة تحفظ التوازن: الإعلان بالأمر فور صدوره، وحق التظلّم خلال عشرة أيام أمام الدائرة الاقتصادية المختصة، والفصل فيه على وجه السرعة، مع جواز استئناف الحكم الصادر فيه. وأكمل المشرّع الصورة بالمادة (30) التي أجازت لقاضي التنفيذ اعتماد التسويات الودية وجداول إعادة السداد بمحضر له قوة السند التنفيذي، وبالمادة (31) التي أبقت على وقف التنفيذ بقوة القانون في الإشكال الأول دون ما يليه، منعًا لاتخاذ الإشكالات وسيلة لتعطيل الحكم.
ويتكامل هذا الباب مع الشقّ الجزائي الذي مهّد له المشرّع قبل عام، إذ أضاف المرسوم بقانون رقم (65) لسنة 2025 بتعديل قانون الجزاء الصادر بالقانون رقم (16) لسنة 1960 بندًا جديدًا برقم (8) عنوانه «تهرب المدين من الوفاء»، عاقبت مادته (283) بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات والغرامة التي لا تجاوز خمسة آلاف دينار أو بإحدى العقوبتين كلَّ مدين أخفى أمواله أو هرّبها أو نقلها أو تصرّف فيها — بالطرق التقليدية أو الإلكترونية — بقصد عدم الوفاء بدين ثابت بسند تنفيذي، وامتدّ حكمها إلى من تلقّى تلك الأموال أو حازها. وبذلك يكتمل بناء الحماية: تجريمٌ يردع إخفاء الأموال، وتدبيرٌ تحفظيّ مبكّر يحاصر التصرّف قبل وقوعه، وقاضي تنفيذٍ متخصص يملك المبادرة متى كان في التأخير خطرٌ على استيفاء الحق.
ثامنًا: المنصة الإلكترونية — البنية التي يقوم عليها البناء كلّه
جعلت المادة (18) التقاضي الإلكتروني أصلًا لا استثناءً، بإنشاء منصة تُباشر من خلالها الإجراءات كافة، وملفٍّ إلكتروني لكل دعوى أو طلب يقتصر حق الاطلاع عليه على أصحاب الشأن ووكلائهم، إضافة إلى قاعدة بيانات تُنشر فيها الأحكام النهائية والمبادئ القضائية بعد تجريدها مما يكشف عن هوية الخصوم أو بياناتهم. وهذه النقطة الأخيرة هي — في تقديري — أبعد مكاسب القانون أثرًا على المدى الطويل، لأنّ انتظام نشر المبادئ يبني قابلية التوقّع القانوني التي يقيس عليها المستثمر مخاطره قبل الدخول في المعاملة لا بعد النزاع فيها.
وامتدّ المنطق ذاته إلى التنفيذ: فالمادة (26) أوجبت مباشرة طلباته وإجراءاته عبر المنصة، بما فيها الإخطارات وأوامر الحجز ومحاضر البيع، وأضفت عليها ذات الحجية المقررة للإجراءات الورقية، واعتدّت بالتوقيع الإلكتروني والهوية الرقمية، مع إبقاء المسار الورقي استثناءً عند التعذّر. وأنشأت المادة (27) نظام ربط إلكتروني مباشر وآمن مع الجهات ذات العلاقة يُعتمد في إصدار أوامر الحجز والتحويل ونقل الملكية وبيع الأصول دون مخاطبات ورقية، فيما نظّمت المادة (32) البيع بالمزاد الإلكتروني أو العلني تحت إشراف القاضي المختص مع إيداع الحصيلة بحساب إدارة التنفيذ.
متطلبات نجاح التطبيق: ما يُنتظر أن تحسمه اللائحة التنفيذية
اختار المشرّع عمدًا — كما أفصحت المذكرة الإيضاحية — أن يترك المسائل التنظيمية للّائحة التنفيذية طلبًا للمرونة، وأمهل وزير العدل لإصدارها قبل 1/10/2027. وتحت هذا الإطار تبرز مسائل عملية يُنتظر ضبطها لضمان تحقق الغاية من النصوص:
- الحدّ الأقصى لمدة أمر وقف المعاملة المالية وشروط تجديده، إعمالًا لقيد «المدة المحددة» الوارد في المادة (1).
- آلية إشهار الأمر لدى البنوك والجهات المسجِّلة عبر نظام الربط المنصوص عليه في المادة (27)، بما يحمي الغير حسن النية ويضمن نفاذ الأمر في ذات الوقت.
- معيار «الدلائل الجدية» على تهريب الأموال في المنع من السفر، ومعيار التناسب بين قيمة الدين وجسامة القيد، خصوصًا حين يصدر الأمر من تلقاء القاضي.
- آلية إعمال الاستثناءين الواردين في صدر المادة (17) عند القيد، بحيث يُعرض عذر المدّعي على الدائرة صاحبة الاختصاص بتقديره دون أن يقف نقص المستندات حائلًا دون بلوغ الدعوى إليها.
- ضوابط تقدير قيمة الدعوى غير المقدّرة، وهي التي يفتح وصفُها بابَ التمييز وفق البند (1) من المادة (6).
- انتظام نشر المبادئ القضائية مجرّدةً وتصنيفها على المنصة، بما يجعل قاعدة البيانات مرجعًا عمليًّا للمتقاضين والباحثين لا أرشيفًا ساكنًا.
ختامًا
أنّ قيمة هذا المرسوم بقانون لا تُقاس بعدد دوائره بل بتماسك منظومته: تخصّصٌ متّصل يجمع القاضي والخبير وقاضي التنفيذ تحت سقف فنّي واحد، واختصاصٌ نوعيّ مانع يحسم التنازع قبل أن ينشأ، وتدرّجٌ قيميّ يعيد محكمة التمييز إلى وظيفتها في توحيد التفسير، ومسارٌ وديٌّ مؤسسيّ ينتهي بسند تنفيذي، وتنفيذٌ فاعل بسلطات مبادِرة مقترنة بحق التظلّم، ومنصةٌ إلكترونية تجعل قابلية التوقّع ثمرةً دائمة لا أثرًا عارضًا.
ومن هنا فإنّ المرحلة المقبلة — حتى بدء العمل به في 1/10/2027 — هي مرحلة البناء التنفيذي لا مرحلة الانتظار: إصدار اللائحة بضوابط دقيقة، وإتمام برامج التأهيل المنصوص عليها في المادة (10)، وتشغيل نظام الربط الإلكتروني مع الجهات ذات العلاقة. فبتوافر ذلك يتحوّل النص من إصلاح تشريعي إلى بنية تحتية قضائية للاقتصاد، وتصبح العدالة أسرع وأكثر قابلية للتوقّع في آن واحد.
لديك مسألة مشابهة تخصّ شركتك؟
احجز استشارة